البحرین: "هذی أرضنا، نموت ونحیا فیها"

اسلام تایمز - من علو سطح منزل متهتک، فی حی ینتشر فیه الفقر کوباءٍ مزمنٍ بإحدى قرى الاحتجاج الشعبی، تتحرک الکامیرا بثبات، تلتقط تسجیلاً مرئیاً وصوتیاً لامرأة شابة تتدثر بعباءتها السوداء، عزلاء تحتضن یدها ید طفلها ذی الثلاثة أعوام، تجره خلفها، تسیر غاضبة ملوحة بکف یدها تجاه فرقة مرتزقة راجلة قوامها یفوق الخمسة أفراد وسط حی سکنی، مدججین بأسلحتهم من (رصاص شوزن ومطاطی، قنابل غازات سامة وهراوات).

البحرین: "هذی أرضنا، نموت ونحیا فیها"

سلاحها الوحید، شجاعة وصرخات من جوف قهر یخترق أزیز الصمت النسائی الرسمی "المبهم" وتقاریره النحویة. تصرخ فیهم بقوة لکنتها القرویة:

- "مو" أرضکم هذی، دبحتونا والله ما دبحتونا، بنموت وبنحیا فیها، هذی أرضنا.. إحنا بحرینیین.
"صوت طلقة باتجاهها".. ترد علیها بتحد:
- مانی خایفة.. هذی الله یشوفنا.. نحن شهداء.. شهداء..

یشتد الطلق المصوب نحوها بتتال هذه المرة، تستمر فی صراخها "مانی خائفة ونحن شهداء..". أصوات نسوة یتلحفن السواد یقفن على جانب الطریق وأمام أحد المنازل، ینشدن الحذر. جدران المنزل تصطبغ بأثر شعارات احتجاجیة ومطلبیة مسحت عباراتها لطمر مضمونها. یستمر الطلق هستیریا هذه المرة، تهتز إثره کامیرا الراصد فی الشرفة، فترتد للخلف، ثم تواصل عملها.

بلکنة عربیة مکسرة یأمرها أحد المرتزقة، بالعودة على أعقابها للبیت:
- یللا "روهی" داخل، یللا، "دشی" داخل، یللا، قلت لکِ "دشی" داخل!

یقصد بالطبع أن تدخل بیتها وتستر على حالها.
ترد علیه بتحد:
- مانی داخلة!

لو تأملنا أبعاد المشهد، تعبیره عن الفعل السیاسی، فهو لا یعنی شیئا البتة للمتربعات فی صالونات الثرثرة وفی غرفهن المغلقة، من الموالیات والمتنفذات اللاتی أصبحن جزءا لا یتجزأ من منظومة آلة التسلط والهیمنة وتبریر القمع وإفرازاته. کما انه – أی الفعل الاحتجاجی للشابة - لا یرقى بنظر بعضهن الآخر للفعل السیاسی الحقیقی، بحسب مفهوم معیاری یعرِّف "تمکین المرأة" سیاسیاً، کما یعتقدن بیقین. لماذا؟ لأنهن أسیرات التقوقع فی ماضیهن السیاسی الذی لا یتواصل مع الحاضر ولا المستقبل. وفی هذا الأمر معضلة.

بید أن ثمة معضلة جوهریة أخرى تکمن فی حال من یواجه هذه الأم الشابة، لها علاقة بهؤلاء المرتزقة المستجلبین العابرین. هؤلاء اتخذوا مواقعهم وخضوعهم لسلطة الأمر فی شارع الاحتجاجات ویمارسون القمع الممنهج، منفصلین عن الزمن. وهم ینازلون امرأة تمارس حقها التعبیری وفعلها "الاحتجاجی السیاسی" بامتیاز فی الشارع. وقد یدعم عملهم الامنی الارتزاقی "قناعات" تخفف عنهم من قبیل أنه لا یجوز بنظرهم تسلل هذه الإنسانة إلى عالم السیاسة، والرجال، لا سیما مشارکتها فی احتجاجات وثورة الشارع.

فهذه فوضى عارمة کما یفهمها ویستشعرها "المرتزقة". وهو یستند (ربما) الى تنظیرات "المتشددین" دینیاً (هل من تسمیة أخرى أکثر توفقاً؟). الفوضى، أن یُزعزع استقرار الضوابط الاجتماعیة، حیث لا تراعی النسوة الثائرات المحتجات حدود الفضاء العام المقدس، الذی انتهک بمشارکتهن فی ثورات الربیع العربی واحتجاجاته. وقد تتبعنا رد الفعل فی تکرار المشهد بجمیع میادین الثورات: قتل واغتصاب وسحل وضرب واعتقال وصفع وإهانات للنساء.. الخ. تماما هی الفوضى کما شرحتها المغربیة فاطمة المرنیسی مرة بأنها "کل انتهاک للحدود یقود حتماً إلى الفوضى والمصائب.. فالحدود فی رؤوسهم وهمیة، وهی لا توجد إلا فی رأس من یملک السلطة". وأضیف الیها من یمسک عصا القمع والبطش!

من هنا، فالمرأة فی حضورها الثوری الاحتجاجی بنظرهم دخیلة، لا یمکن أن تکون عند "المرتزقة" ومن یمثلونهم ویدافعون عنهم إلا "عدوا"، بل ان مجرد صراخها وتلویح یدها فی هذا المکان العام (حیز الشارع الاحتجاجی)، یعد بحد ذاته عملاً هجومیاً مباشراً من قبلها یتطلب الرد، لا سیما ان تأثیره لا یقتصر على زعزعة النظام السیاسی فقط، إنما الاجتماعی أیضا. فهو ضد منظومة القوانین والتشریعات والرموز، إنه اعتداء مباشر یستوجب رده إلى قعر داره حفاظاً على الأمن والاستقرار.

وظیفة "المرتزقة" ودورهم لا یقتصران على حفظ الأمن بالاعتقال وإطلاق الرصاص والغازات السامة على النساء وشتمهن ورمیهن بأقذع الألفاظ. إنما یبدو کأنهما یمارسان ضبطاً اجتماعیاً یتخذ صورة النهی والصراخ وإصدار الأوامر بهدف حجب صوتهن (العورة والمعارض معاً).

منى عباس فضل ـ باحثة من البحرین ـ السفیر اللبنانیة

 

 

 

 

حزب الله

/ 0 نظر / 9 بازدید